
قراءة تحليلية في كتاب “تكوين المفكر”
للدكتور عبد الكريم بكار
مناقشة و حوار / م. حسن علي أبو مطير
يطيب لي أن أشارك المهتمين بتطوير المحاكمة العقلية و تحسين أسلوب ممارسة التفكير في هذه القراءة التحليلية لأهم أفكار كتاب ” تكوين المفكر” للدكتور عبد الكريم بكار , و قد قمت بعرض هذه الأفكار و مناقشتها مع فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الكريم بكار و قد تفضل و أجاب عنها مشكورا , و أسأل الله أن يجعل فيها الخير و الثواب و الأثر النافع لكل مسترشد قاصدا طريق الهداية إنه و لي ذلك و القادر عليه , و الله الموفق و هو الهادي إلى الصراط المستقيم
م. حسن علي أبو مطير – غزة فلسطين
أترككم مع القراءة التحليلية للكتاب …
م. حسن أبو مطير : د. عبد الكريم كل عام و حضرتك بخير و إن شاء الله من الفائزين في شهر رمضان.
د. عبد الكريم بكار : و أنت بخير أخي حسن و الأهل بألف خير و ربنا يتقبل منا و منكم صالح الأعمال .
م. حسن أبو مطير : بداية سيكون حديثي معك د. عبد الكريم حول الكتاب ” تكوين المفكر” و ما وجدته أثناء سيري بين صفحاته , و أحب أن أشكرك على هذا العطاء المتميز و الرائع و إن شاء الله في ميزان حسناتكم.
بخصوص الكتاب فيمكن لي القول أن هناك أمور كانت –بالنسبة لي- مميزة و موفقة في اختيارها و موضعها كأسماء فصول الكتاب و التدرج في طرح المعلومة و ترابطها مع بقية ما في الكتاب, أما ما وجدت فيه صعوبة في الفهم و الاستيعاب , فهو كثيرة التفريعات و التقسيمات , فأنت تجد تحت كل بند مجموعة بنود و ربما تجد تحت هذه البنود بنود أخرى , فهذا شكل لي في بعض الأحيان صعوبة في ربط المعلومات مع بعضها و كانت تسبب في بعض الأحيان تشتيت مما يستدعي القراءة مرة أخرى , الأمر الثالث : هو أمور كنت أتوقع أن أجدها في الكتب أثناء قرأتي و لم يتم الحديث عنها مثل التعامل مع النصوص الشرعية من القرآن و السنة من حيث ظنية الدلالة و قطعتيها حيث أني وجدت عند معظم الكُتاب المفكرين لديهم خلط في هذه الجزئية و استدلالات بنصوص شرعية في غير موفقه.
د. عبد الكريم بكار : بداية أحب أن أقول أن الكتاب موجه بشكل أساسي إلى طلاب العلم الشرعي , لان هؤلاء لا يقرؤون شيء عن ” التفكير” , و ربما أن البعض ينظر للمفكر نظرة عدائية , و يعتبر أن المفكر دخيل على العلم , و أنه يُميعُ النصوص , لذلك فأنا لم أطرح موضوع الاستدلال بالنصوص الشرعية لان هذا يتم دراسته في أصول الفقه لدى طلاب العلم الشرعي , لذلك فأن الكتاب عندما يقرأه طيب أو مهندس يشعر أنه دخل في أمور لا علاقة له به في – في حال وجود موضوع الاستدلال و طرق التعامل مع النصوص-, و اعتقد أن الكتاب يسد ثغرة لدى طلاب العلم الشرعي , أيضا أنا أخذت على نفسي ما يشبه العهد أن لا يزيد أي كتاب اكتبه عن 300 صفحة حتى لا يمَّل الناس و لا يرتفع سعر الكتاب و يكون في متناول الجميع , , لذلك فإن هناك موضوعات تدخل في تكوين المفكر و يتم بحثها في مواطن أخرى حتى لا يتضخم الكتاب و يكون الكتاب في متناول الجميع .
أما عن قضية التفريعات : حقيقة أن الموضوع هو الذي يفرض نفسه , و أنا اعتمد طريقة الترقيم, فعند بحث قضية معينة يتم تقسيمها إلى 5 نقاط –مثلا- و يكون في أحد هذه النقاط تفريع يتم تقسيمه حسب الترتيب الأبجدي , و هذا من شأنه أن يعمل على تسهيل وصول المعلومة .
و مثلما قالوا أنك لا تستطيع الكتابة لكل الناس , فأنت وضعت هذه الملاحظات على الكتاب , وربما غيرك يعتبرها ميزة و لا يجد فيها مشكلة بالنسبة له , لذلك فإن من الملاحظات التي وردت إلينا و كانت جديرة بالاهتمام كانت حول كلمة ” خطوات عملية ” و الأولى أن تكون ” طرح عملي” .
م. حسن أبو مطير : ما الفرق بين ” خطوات عملية” و ” طرح عملي ” ؟
د. عبد الكريم بكار : الطرح العملي أدق من الخطوات عملية , فالخطوات تفيد أن الكتاب سيكون مقسم لمجموعة أفكار مرقمة (1,2,3…), ولكن الطرح العملي يجنح للواقع و يأخذ جانب تعليمي , و يكون تعليمي أكثر منه تنظيري.
م. حسن أبو مطير : دعنا نتعمق في موضوع الكتاب , حيث وجدت أنك تولي اهتماما كبيرا ” للغة ” , و أهمية أن يكون لدى السائر على خُطى المفكرين حصيلة لغوية ممتازة, فكيف يتم إثراء اللغة لغير المتخصصين في مجال دراسة اللغة بالمعاني التي تساعده على إيصال أفكاره بشكل سلس لعامة الناس ؟
د. عبد الكريم بكار : بالنسبة للغة فإن جانب النحو و الصرف يُفترض أن يكون معلوماً و أن يُراعى ضبط الكلمات حسب قواعد اللغة العربية حسب الأصول المعروفة , فيرفع المرفوع و ينصب المنصوب … و هكذا و أعتقد أن هذا لا يُشكل مشكلة.
أما لكيفية أن يكون لدى الواحد بُنية لغوية جيدة , فإن أبسط شي هو أن يقرأ الشخص في كتب المفكرين الكبار , و كتب الأدباء الكبار , و يسجل كل معنى جميل و جديد عليه أو لفته جميلة , ثم يستخدمها في كتباته و إنتاجه الفكري, و يراجعها من فترة لأخرى , و هذا مع الأيام من شأنه أن يجعله يستخدم هذه الألفاظ بسلاسة فترتقي لغته و تتطور.
م. حسن أبو مطير : نأتي لموضوع ” العقل الجمعي ” لو أردنا أن نعرف ما هو تعريف العقل الجمعي ؟
د. عبد الكريم بكار : العقل الجمعي : هو الأفكار التي يؤمن بها مجموع المجتمع مثال كأن يقول مجموعة من المجتمع نحن ضحية لمؤامرة كبيرة , أو أن يتجه مجموعة من الأفراد لبناء بيت لهم و تأمين مستقبل أبنائهم في حال توفر معهم مبلغ من المال … و هكذا فإن اتجاه التفكير العام السائد في المجتمع هو ما يمكن أن نسميه بالعقل الجمعي .
أما التفكير الصفوي أو ما يمكن أن نسميه تفكير صفوة المجتمع يكون عبارة عن تفكير أفراد يكونوا أهل خبرة و علم و تجربة و هم الذين يشذون عن العقل الجمعي و يكونوا رواد للمجتمع و يخالفوا اتجاه المجتمع .
الفكر السائد على الصعيد الاجتماعي لدى معظم الناس في الغالب ما يكون فكر رشيد و يكون مشوب في الخير و الشر و الحق و الباطل.
م. حسن أبو مطير : هل يمكن لنا أن نقيس موضوع العقل الجمعي على الجماعات الإسلامية الموجودة على الساحة الإسلامية في كثير من مناطق العالم , كما هو معروف فإن كثير من الجماعات الموجودة الآن و التي تعمل في إطار جماعي و التي ترى ضرورة الالتزام معها و العمل ضمن إطارها و أن هذا من مبادئ الإسلام من باب الولاء و البراء , هل يمكن أن يكون العقل الجمعي ضمن هذه الرؤية ؟
د. عبد الكريم بكار : العقل الجمعي يختلف عن الجماعة , و لكن يمكن أن يكون داخل الجماعة عقل جمعي , حتى في التنظيمات الصغيرة أنت قد تجد العقل الجمعي , و هذا لا يمنع أن يكون في جماعة كبيرة من يرفضون بعض الأفكار , لذلك فإنه و مثلما تفضلت فإنك قد تجد من يقول نحن جماعة المسلمين , أو نحن أولى بأن نكون نحن جماعة المسلمين , أو إن لم نحن فمن يكون ! هذه أفكار قد تكون سائدة في بعض الجماعات , وقد تجد بعض الناس المتنورين يقولون أن هذا الكلام ليس صحيحا على إطلاقه!!! .
حتى في الشركات و في كل التجمعات … دائما الجمهور العام يقتنع بأفكار فيها نوع من القصور و التخليط و التشويه و هي بحاجة إلى تصفية و معالجة حتى تكون في إطارها السليم .
م. حسن أبو مطير : أيضا في موضوع الجماعات و التجمعات … دعنا نأخذ نقطة من نهاية و هي من الأمور التي ذكرت أنها ” تستحق الحذر” … مثلا ذكرت و هي ” المجاملة على حساب الحقيقة ” , و نربطها مع فكرة في بداية الكتاب , و هي أن من واجب المفكر أن يعمل على نقد بعض الأفكار الغير صحيحة , و ربما كان هذا سبب لجلب الضرر على المفكر فيجيب عليه السكوت … و لكن يبقى من الواجب عليه أن يتكلم و يُرشد إلى الفكر السليم … و لكن بالنظر إلى نشأة كثير من الجماعات الإسلامية نجد أنها كانت في ظروف صعبة و كان فيها نوع من الاضطهاد و التعذيب لكثير من أفرادها , و بالتالي فإن هذه الجماعات تنظر إلى من ينتقدها –من داخل أو خارج الجماعة – في بعض الأفكار إلى أنه غير مقبول , وذلك لاعتقاد تلك الجماعات أنها تسير بشكل مثالي على نظامها الداخلي و القوانين المرسومة لتلك الجماعة … فما هو الأسلوب المناسب لتوجيه النصيحة و نقد مثل تلك الأفكار السائدة في أوساط تلك الجماعات ؟
د. عبد الكريم بكار : نعم … الفكرة التي نقولها أن هناك خط و هناك تحويله على الخط …الخط ما هو: أن الأصل أن يقوم المفكر بالنصح , و الريادة الاجتماعية و الثقافية تفرض عليه أن ينبه إلى الحق و ما يعتقد أنه هو الصواب بأسلوب مؤدب و مهذب و منهجي … و لكن في بعض الأحيان لا يكون هذا الأمر متاحا بسهولة و لا يستطيع المفكر أن يقول الحق صراحةً لان ذلك يُشكل خطورة على حياته , أو قد يسبب فتنة أحيانا أو أن يكون سبب في حدوث مشكلة في البلاد … في هذه الحالة هو بين أمرين : إما أن يسكت , و إما أن يقول الحق بطريقة ملطفة جدا بحيث يكون فيها نوع من الإشارة , و هذه الإشارة تتطور مع الوقت و يصير الناس ادعى لقبولها بالتدريج .
و لكن المحظور على المفكر هو أن يقول أشياء لا يعتقدها و لا يؤمن و يقوم بالترويج لها لان في ذلك نوع من الخيانة للأمانة و النفاق و الكذب و هذا أمر خطير جدا.
لذلك فإن أي مفكر قد يجد نفسه في ظروف تمس أمنه الشخصي أو المحيطين به أو الأمة تؤدي إلى فتنة و حدوث بلبلة و مشكلة كبيرة , لكن يسكت بعض الشيء أو يؤجل طرحه لحين أن تتوفر فرصة أفضل , أو يلمح له تلميحا.
م. حسن أبو مطير : لكن مستويات الحديث ممكن تختلف كأن تكون النصيحة داخلية بشكل مباشر أو غير مباشر .
د. عبد الكريم بكار : الواجب على المفكر أن يُوصل رسالته بمقدار ما يستطيع بأي طريقة يراها مناسبة أكان ذلك بالتلميح أو التصريح , و لكن إذا رأى أن طرق الموضوع بأي طريقة صعب جدا ممكن أن يسكت .
مثل ما أذن الإسلام للمسلم أن يسب كما في حديث عمار بن ياسر حيث أباح له أن يشتم الرسول صلى الله عليه و سلم عند الضرورة و التعذيب الشديد,و قال له: أن عادوا فعد.
م. حسن أبو مطير : يمكن أن استنج من كلامك أن أي شخص يطلق على نفسه أنه مفكر أو يسير في خطى المفكرين هو في ” ورطة ” … فما رأيك في ذلك ؟
د. عبد الكريم بكار : المفروض أن لا يطلق الشخص على نفسه لقب مفكر … و ذلك لأنه لقب كبير و فيه نوع التزكية للذات , و الله سبحانه و تعالى يقول : (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)) سورة النجم.
و لكن أهل العلم المعتبرين هم الذين يجوز لهم أن يطلقوا عليه لقب “مفكر” , و لكن لا يجوز لأي شخص أن يطلق على نفسه مفكر أو عالم أو فيلسوف.
م. حسن أبو مطير : هل تعتقد أن المفكرين في ورطة … من أكثر من جانب من حيث ما يعتقدونه و يرونه , و الواقع الذي يعيشه و ما قد يلاقيه من ممانعة و معارضة جراء طرحه لأفكاره ؟
د. عبد الكريم بكار : ما في شيء بدون ثمن … يعني أنت تريد أن تكون عالما و يُشار إليك بالبنان و إن شاء الله تأخذ الأجر و الثواب و ينتفع بك الناس … هذا له أعباء و مسؤوليات و تبعات!… دائما البروز يترتب عليه مسؤوليات, و الشهرة لها ضريبة … لها ضريبة… توجه للإنسان في بعض الأحيان أسئلة و يُوضع في مواقف محرجة لا يتعرض لها الشخص المغمور, فالشخص المغمور قد يقضي حياته كلها دون أن يكون معه لقاء صحفي واحد !!
م. حسن أبو مطير : ما الذي يجب على السائر في طريق المفكرين في مثل هذه الحالات؟
د. عبد الكريم بكار : أن يكون شخصا حكيما و متزنا ,و أن يكون لديه شيء من الشجاعة في بعض الأحيان , و هو في كثير من الأحيان يعلم جيدا ما الذي يجب عليه أن يفعله.
أما أن المفكر في ورطة, فهو في الحقيقة ليس في ورطة و لكن هذه هي ضريبة الشهرة و ضريبة العلم مثل أهل العلم الذي قد تأتيه فتوى في ساعة متأخرة, و الطيب الذي يُنادى في منتصف الليل لإجراء عملية جراحية … لا أحد من هؤلاء يملك أن يتأخر عن أداء الواجب !
م. حسن أبو مطير : هل يمكن القول أن المفكرين من مؤججي الفتن أو من مُحرضي الناس نتيجة لما قد يطرحوه من أفكار تنقد الواقع و تنقد كثيرا من التصرفات في المجتمع و تنبه الناس لما قد يغفلوا عنه ….
د. عبد الكريم بكار : طبعا أنت لما تريد أن تقول الحقيقة لا بد أن تعلم أن هناك أناس يؤذيهم قول الحقيقة! , يعني مثلا أنت إذا جئت لبلد فيه أهل بدع و ضلال, و أردت أن تنشر السنة فإنهم يتأذون منك و يقفون ضدك لأنك أنت تسفههم بهذا الكلام .
أما أن المفكر قد يثير فتنة! , فإن طبيعة الطرح الفكري المنهجي ليس حادا, فعند طرح أي فكرة في التغيير و الإصلاح فإن المفكر يعرف حدوده و يعرف أن ما يقوله هو عبارة عن اجتهاد قد يخطئ و قد يصيب لذلك لا يكون طرح المفكر حادا, و بالتالي فإن طرح المفكر لا يسبب مشكلة , لكن دائما هناك أناس يتأذون و يعارضون و آخرون يفهمون بطريقة خاطئة فيحصل نتيجة لذلك نوع من المشكلة .
لكن بشكل عام فإن طرح المفكر لا يسبب مشكلة.
م. حسن أبو مطير :ذكرت حدود المفكر … فما هي حدود المفكر التي يجب عليه أن يراعيها وهو يوجه خطابه لعامة الناس ؟
د. عبد الكريم بكار :
- يجب عليه أن لا يقدم أي طرح متقدم على الأدلة التي لديه بحيث يصبح لديه دعاوى لا يسندها الدليل و القناعة .
- يطرح بطريقة حكيمة لا تثير الفتن
- يوقن أن طرحه هو طرح اجتهادي قد يصيب و قد يخطئ , و بالتالي عليه أن يكون على جاهزية عالية و استعداد لان يتراجع عن بعض ما يقول إذا تبين له عدم صواب ما ذهب إليه و يسمع النصح من غيره و أن يعلم أنه لا يرى كل الواقع و لكن هو يرى جزء من الواقع , و بالتالي قد تخفى عنه أشياء مهمة , وعليه أن يبحث عنها أو أن أرشده أحد إلى ما خفي عليه أن يستمع إليه !
م. حسن أبو مطير : إذن يمكن لنا القول بأن المفكر مثل الطبيب ؟!
د. عبد الكريم بكار : أنا قلت أن المفكر مثل الفيلسوف الذي ينتج أفكارا , ينتفع بها الناس , و يكشف عن زوايا خفية لم تكن معروفة لهم و لا يراها الناس في العادة , و يفترض أنه يدرك من علل المجتمع ما لا يدركه بقية الناس , لذلك يمكن القول بأن المفكر هو طبيب المجتمع .. موجه .. إلخ
م. حسن أبو مطير : معروف يا دكتور أن كلمة “مفكر” كلمة ذات بهرج و جاذبية كما ذكرت في كثير من أحاديثك , و أصبح كثير من الناس يفرح عندما ينادى ب” مفكر” , و هو ذاته الذي قد أنكر هذه الكلمة قبل سنوات ماضية لم تكن لهذه الكلمة سيطها و انتشارها في المجتمع !!ألا تخشى في يوم من الأيام أن يكون موضوع الفكر “موضة ” بين الشباب !
كما تعلم فإنه في هذه الأيام فإن كثيرا من الأشخاص يشغلهم موضوع التنمية البشرية حتى أن الواحد قد لا يكون على كفاية من التخصص و يطلق على نفسه “مدرب معتمد ” أو ما شبه .
د. عبد الكريم بكار : أي شيء يصير له شهرة و يصير له قيمة يحاول الناس أن يلتصقوا به مثلا حرف “د. ” دكتوراه , فلقب دكتور يدل على سوية بحث منهجي من العلم , و لكن نجد اليوم من قد يأخذ شهادة دكتوراه مزورة ! أو من جامعات شكلية , و هذا كله من أجل أن ينادى بـ ” دكتور” لأنها من الألفاظ التي تجذب الناس هذا طبيعي و موجود!
م. حسن أبو مطير : جميل هذا يقودنا إلى السؤال التالي , و هو متى ينتهي المفكر و يفقد مكانته في المجتمع لا أقصد كشخص و لكن أقصد “كقيمة” أو بشكل أخر متى ” يموت المفكر” ؟
د. عبد الكريم بكار : يموت المفكر عندما يكون “بوق” لجهة من الجهات و يصير ينظر و يفكر لشيء هو غير مقتنع به و حتى أن الصبيان لا يقولون به!
الإنسان لما يصير أجير أو موظف لا يكون مفكرا.
و أيضا يموت المفكر عندما يتوقف عن التفكير و عن الإنتاج, فيصبح و كأنه مع الأموات لان حياته في إنتاجه و استمرار عطائه.
م. حسن أبو مطير : نتقل لمحور أخر … و هو الخطاب الفكري المعاصر … فكيف لنا أن نعرفه ؟
د. عبد الكريم بكار : لا يوجد شيء اسمه “خطاب فكري !” , و لكن هناك الخطاب الإسلامي لان كل خطاب يصدر عن فكر .
فالخطاب الإسلامي هو : ” الفكر الإسلامي مجسدا في رسالة “, فأنا عندما أكتب كتاب أو خطبة أو مقالة أو مسرحية … الخ أنا أضع فيها – المضمون- الفكر الإسلامي و الشكل هو الرسالة أو القالب الذي يُقدم .
لذلك نحن عندما نتحدث عن تطوير الخطاب الإسلامي فنحن حقيقة نتحدث عن تطوير الفكر الإسلامي نفسه …
م. حسن أبو مطير : ما مدى حاجة الشباب تحديدا لوجود خطاب معاصر , و هل ترى أن هذا الخطاب يقوم بدوره من ناحية التأثير ؟
د. عبد الكريم بكار : هي الحاجة إلى التفكير …
فنحن عندما نقول أننا بحاجة إلى خطاب إسلامي رشيد فإننا نعني بذلك أننا بحاجة إلى فكر إسلامي رشيد ,و حاجة الناس إلى الفكر ..أن المفكرين من مهامهم : فهم الواقع , و فهم جذور هذا الواقع , و فهم ترابط مشكلات هذا الواقع ثم كيف يمكن لنا أن نتخلص من هذه المشكلات في سبيل أن يرتقي الناس و تتحسن أحوالهم و يكونون أقرب إلى الله و أقرب إلى الالتزام و الاستقامة … فهذه هي مهمة المفكرين و هي توصيف العلل الاجتماعية و الأخلاقية بشكل دقيق , و دلالة الناس على الكيفية المناسبة للتخلص من تلك العلل.
م. حسن أبو مطير : ما هو تقييمك للخطاب الإسلامي المعاصر … هل ترى أنه يعاني من خلل ما؟
د. عبد الكريم بكار : ليس هناك يدور على أكمل وجه .. ما دام أنه جهد و فكر بشري و اجتهاد إذا فيه قصور و فيه أخطاء … ثم كون أن الإسلام ليس فيه كهنوت فمن الممكن لأي شخص أن يكون داعيا أو مفكر !!
لا أحد يستطيع أن يمنع أي شخص من أن يلبس عمامة و يدعو الناس ليس هناك جهة تمنعه ! .
فكون انه ليس هناك كهنوت في الإسلام فمتوقع دائما أن يقوم أشخاص بممارسة التفكير و الدعوة و هم غير مؤهلين و بالتالي تنشأ عليهم ملاحظات كبيرة …
م. حسن أبو مطير : هنا يأتي دور المبادرة و أن يأخذ كل مفكر دوره الريادي و يحيي روح المبادرة كما ذكرت في الكتاب
د. عبد الكريم بكار : نعم … نعم و يكون ذلك بأن يكون هناك حراك اجتماعي
لان المجتمع إذا لم يحصل فيه حراك اجتماعي و نقد للأفكار القديمة و طرح للأفكار الجديدة و نقاش يصبح لدينا تأسن و يصير مثل الماء الجامد و هذا يؤدي في النهاية إلى تخلف المجتمع و تراجعه , و من واجب المفكر أن يطرح أفكار جديدة من أجل تحريك الحياة الاجتماعية .
م. حسن أبو مطير : ذكرت في أحد أفكار الكتاب : أن اللغة تمارس نوع من العنف ضدنا … فماذا يمكن أن نفهم من هذه الفكرة ؟
د. عبد الكريم بكار : النظام اللغوي الموجود الآن هو نظام بُني عبر القرون … و أنت تجد نفسك في بعض الأحيان مجبر على نظام لغوي ربما يكون قاصر … بل بالتأكيد هو قاصر , و لكن كيف لي أن أخاطب الناس بشيء هم لا يفهمونه ! حتى لو كان النظام اللغوي غير مستوفي لكافة المعاني التي أحتاجها أو التعبيرات و لكن ليس لدي خيار أخر … لان اللغة ليس فيها غير هذا التعبير !
فأي نظام لغوي مثل كل الأنظمة يمارس نوع من العنف على العقل البشري لأنك مضطر إليه… مثل النظام التجاري .. كأن تجد أن النظام الربوي سائد في بلد ما … و في هناك أناس لا يريدون أن يستخدموا هذه المصارف الربوية .
م. حسن أبو مطير : و لكن هذا لا يعبر عن قصور فينا من خلال عدم معرفتنا الكافية بالنظام اللغوي الذي نستخدمه ؟
د. عبد الكريم بكار : أنت مهما تعلمت اللغة فأنت في النهاية خاضع لها .. فأنت مثلا عندما تريد التعبير عن غضبك فإن هناك ألفاظ محددة تستخدمها قد لا يكون فيها أي لفظ جميل , لكنك مضطر في النهاية أن تستخدمه لأنه ليس هناك لفظ أخر بديل !
م. حسن أبو مطير : بارك الله فيك يا دكتور سعدت بهذه الرحلة الطيبة في رحاب الكتاب معك !
د. عبد الكريم بكار : بارك الله فيك و حفظ همتك .. شكرا جزيلا لك
و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته !